عندما يندمج الفنان ويتقمص الدور، تجده لا يبالي بأي شيء حوله، فهو يعايش الحالة بكل ما لديه من مشاعر وأحاسيس، حتى الألم والتعب هما آخر الأمور التي يلتفت إليها الفنان الحقيقي، هكذا كان حال فناني الزمن الجميل، الذي أخذ منهم حبهم للفن الكثير من الصحة والاستقرار.
ومن بين هؤلاء العمالقة الذين وهبوا حياتهم حبا وعشقا للفن، الفنان الكبير محمود المليجي (انتوني كوين) الشرق الذي رحل وفارق الحياة إثر أزمة قلبية مفاجئة، والتي كانت السبب في رحيلة وغيابه عن عالمنا وهو ما زال في أوج نشاطه وعطائه، ففي يوم 6 يونيو من عام 1983، وهو يستعد لتصوير آخر لقطات دوره في فيلم (ايوب) للمخرج هاني لاشين، ففي هذا اليوم، الكاميرا تدور، والمكان يسوده الهدوء، وعامل (الكلاكيت) يعلن بدء التصوير، والمخرج ينادي بصوت اجش (اكشن)، الكل مستعد ليبدأ محمود المليجي بحواره موجها إياه لصديق عمره في أحداث الفيلم (ايوب) الذي قام بدوره الفنان العالمي عمر الشريف، ليسقط (فنجان القهوة) الذي كان المليجي ممسكا به ويسقط الفنان والمعلم والمايسترو محمود المليجي إثر أزمة قلبية مفاجئة وسط ذهول ولوعة الحاضرين، وتطفئ الكاميرات، ويقف الكل خشوعا لهذا المقف القدري الذي غيب عنا المليجي عن عمر ناهز 72 عاما، بعد رحلة عطاء مع الفن استمرت ما يقرب من نصف قرن قدم فيها 750 عملا فنيا، ما بين السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون.
لم يكن المليجي مجرد ممثل فقط بل كان فنانا عاش ليقدم لنا درسا في الحياة من خلال فنه العظيم، كان مدرسة فنية متكاملة وكان بحق استاذا في فن التمثيل العفوي الطبيعي البعيد كل البعد عن أي افتعال أو التشنج أو العصبية، هو صاحب فيلم (الأرض) عام 1970 من إخراج المبدع يوسف شاهين والذي استحق المشهد الختامي العظيم في أحداث الفيلم؛ حيث ظهر فيه المليجي مكبل بالحبال تجره الخيل علي الارض محاولا التشبث بجذورها، استحق بهذا الأداء العبقري ان يطلق عليه بحق (انتوني كوين) الشرق، ما جعل هذا الفيلم يصنف الثاني ضمن الـ100 فيلم علي مستوي السينما المصرية.
الحالة الثانية التي لا تقل إثارها وفجيعة عن سابقتها هي رحيل الفنان صلاح ذو الفقار، الظروف متشابهة متطابقة في أحداثها وتوابعها. ففي يوم 22 من شهر ديسمبر من عام 1993، فبينما الكل مستعد ينتظر ان يبدا (الدكتور محمد) وهذا هو دور صلاح ذو الفقار ضمن أحداث الفيلم - حواره أثناء تصوير المشهد الاخير لفيلم الارهابي واذا به يترنح ويهتز ويسقط إثر أزمة قلبية مفاجئة وسط ذهول ودهشة العاملين بالفيلم، ويرحل ذو الفقار عنا عن عمر ناهز 67 عاما، ويتم تأجيل تصوير هذا المشهد بناء علي قرار من الفنان عادل إمام الذي كان يشاركه بطولة الفيلم.
ولد ذو الفقار بالمحلة الكبري عام 1928، كان يتردد كثيرا على أماكن التصوير، حاول شقيقه المخرج عز الدين ذو الفقار أن يختبره ويكتشف مواهبه وأسند إليه دورا في فيلم (عيون سهرانه) وهو ما زال يعمل مدرسا بكلية البوليس، اهتم بالتمثيل وبدأ يبحث عن كل ما يقربه ويؤهله للتمثيل، اقترب من المجال تودد الي أشقائه الذين سبقوه الي عالم الفن، وانطلق في طريقه.
ولكن انطلاقته الفعلية كانت من خلال فيل (رد قلبي) بطولة شكري سرحان ومريم فخر الدين ومن إخراج شقيقه عز الدين ذو الفقار، كون شركة إنتاج هو وشقيقه قدما من خلالها أهم الافلام التي تركت علامات بارزة في السينما المصرية والعربية مثل فيلم (بين الاطلال )، (الرجل الثاني)، (شيء من الخوف)، (مراتي مدير عام).
مثل 250 فيلما من أشهرهم الكرنك، رد قبي، الرجل الثاني، غروب وشروق، كرامة زوجتي، الطريق الي ايلات (وكان آخر أفلامه الذي اكتمل العمل به)، اثري المكتبة الاذاعية والتليفزيونية بالعديد من رائع الاعمال فقد قام بأداء 70 عملا دراميا ما بين إذاعي وتليفزيوني مثل عائلة شلش، رافت الهجان، غاضبين وغاضبات، لن انساه ابدا. حصل علي الكثير من الجوائز عن فيلم اريد حلا، وعن فيلم اغلي من حياتي وفاز ببطولة الجمهورية للملاكمة عن وزن الريشة عام 1947.
إرسال تعليق